سيد محمد طنطاوي

110

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمقصود ، أن هذا القرآن ممتنع أن يتطرق إليه الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض والاختلاف . قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه ، منها : أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى اشتماله على الحكمة ، فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر . ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم ، بدليل قوله - تعالى - : وأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه . ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم . . « أي المبرأ من الكذب والتناقض » « 1 » . والمعنى : تلك الآيات السامية ، المنزلة عليك يا محمد ، هي آيات الكتاب ، المشتمل على الحكمة والصواب ، المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية . وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكن قد نزلت كلها لأن الإشارة إلى بعضها كالإشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإنزال ، ولأن اللَّه - تعالى - قد وعد رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بنزول القرآن عليه ، كما في قوله - تعالى - : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ووعد اللَّه - تعالى - لا يتخلف . وقوله * ( هُدىً ورَحْمَةً ) * منصوبان على الحالية من * ( آياتُ ) * . أي : هذا الكتاب أنزلنا عليك يا محمد آياته ، لتكون هداية ورحمة للمحسنين في أقوالهم وفي أفعالهم ، وفي كل أحوالهم . ثم وصف - سبحانه - هؤلاء المحسنين ، بصفات كريمة فقال : * ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) * أي : يؤدونها في أوقاتها المحددة لها ، مستوفية لواجباتها ، وسننها ، وآدابها وخشوعها ، فإن الصلاة التامة هي تلك التي يصحبها الإخلاص ، والخشوع ، والأداء الصحيح المطابق لما ورد عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم . * ( ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) * أي : ويعطون الزكاة التي أوجبها اللَّه - تعالى - في أموالهم لمستحقيها * ( وهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) * والمراد بالآخرة : الدار الآخرة ، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا التي هي الدار الدنيا . وقوله * ( يُوقِنُونَ ) * من الإيقان ، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، بحيث لا يطرأ عليه شك ، ولا تحوم حوله شبهة . .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 17 ص 5 .